عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

404

اللباب في علوم الكتاب

بعده ، والمعنى : أنه - تعالى - لما بيّن شدّة عداوتهم للمسلمين ، بين أنه - تعالى - وليّ المؤمنين وناصرهم . فإن قيل : ولاية اللّه لعبده عبارة عن نصرته ، فذكر النّصير « 1 » بعد ذكر الولي « 2 » تكرار . فالجواب : أن الوليّ هو المتصرّف في الشّيء ، والمتصرّف في الشّيء يجب أن يكون ناصرا . فإن قيل : ما الفائدة من تكرار قوله : « وَكَفى بِاللَّهِ » . فالجواب : أن التّكرار في مثل هذا المقام يكون أشد تأثيرا في القلب ، وأكثر مبالغة . فإن قيل : ما فائدة تكرار الباء في قوله : « باللّه » فذكروا وجوها : أحدها : لو قيل : كفى اللّه ، يتصل الفعل بالفاعل ثم ههنا زيدت الباء إيذانا بأن الكفاية من اللّه ليست كالكفاية من غيره . وثانيها : قال ابن السّرّاج « 3 » : تقديره : كفى اكتفاؤه باللّه وليّا ، ولما ذكرت « كفى » دلّ على الاكتفاء ؛ كما تقول : من كذب كان شرّا له ، أي : كان الكذب شرّا له ، فأضمرته لدلالة الفعل عليه . وثالثها : قال ابن الخطيب « 4 » : الباء في الأصل للإلصاق ، وإنما يحسن في المؤثّر الذي لا واسطة بينه وبين التّأثير ، فلو قيل : كفى اللّه ، دلّ ذلك على كونه فاعلا لهذه الكفاية ، ولكن لا يدلّ [ ذلك على أنّه فعل ] « 5 » بواسطة أو غير واسطة ، فإذا ذكرت الباء ، دلّ على أنه - تعالى - يفعل بغير واسطة ، بل هو - تعالى - يتكفّل به ابتداء من غير واسطة ؛ كقوله : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ ق : 16 ] قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 46 ] مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 46 ) قوله تعالى : [ مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ] الآية « 6 » . لما حكى عنهم أنّهم يشترون الضلالة ، بيّن تلك الضّلالة ما هي . قوله : « مِنَ الَّذِينَ هادُوا » فيه سبعة أوجه :

--> ( 1 ) في أ : النصر . ( 2 ) في ب : المولى . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي 10 / 94 . ( 4 ) ينظر : السابق . ( 5 ) سقط في أ . ( 6 ) سقط في أ .